اسماعيل بن محمد القونوي

517

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل وذات كل شيء له ) يتغلغل أي يتعمق وأصل التغلغل دخول الماء الجاري بين النبات والأشجار ثم استعمل في تعمق النظر استعارة لأن فيه دخولا في النظر المؤدي إلى المعرفة التي كالماء الجاري حتى يتحقق أنه غني عن الكل لأنه إذا تيقن أن كل وجود وكمال إنما هو فائض منه تحقق عنده أنه غني عن كل ما سواه على الإطلاق وذلت أي انقادت كل شيء من الممكنات الموجودة بل المعدومة أيضا انقيادا اختياريا كما في الحيوانات والإنسان أو طبيعيا كما في الجمادات . قوله : ( ومصارف أمره منه فهو الملك الحق ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة لا غير ) المصارف جمع مصرف مصدر ميمي أي الصرف وهو الملك الحق على المطلق ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة لأن سبب العبادة الخالقية قال تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ [ الأنعام : 102 ] حيث فرع الأمر بالعبادة على الخالقية ولما انحصر الخالقية فيه تعالى انحصر استحقاق العبادة له تعالى ولذا قال لا غير ولا تنس ما ذكرناه من أن هذه الأمور الثلاثة مجموعها مستفاد من لفظ الرب الحقيقي كما عرفته . قوله : ( وتدرج في وجوه الاستعاذة المعتادة ) عطف على دلالة أو على إشعار في وجوه الاستعاذة المعتادة صفة الوجوه فإن من أصابته آفة أو خاف أصابته عادته التدرج فإنه رفع أولا إلى قريبه كالوالدين والإخوة والأعمام فإن لم يقدر على رفعه ودفعه رفعه إلى سلطانه وإذا لم يحصل مرامه يتضرع إليه تعالى ويسأل منه العناية والفوز إلى البغية . قوله : ( تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات ) فلذا لم يكتف بواحد منها بل ذكر مجموعها على سبيل التدرج المذكور وهذا التنزيل هنا لا يحسن اعتباره ولا ندري اعتباره في غير هذا الموضع بل هذا معتبر في المخلوقات بل يكفي أن يقال إنه لما كان الصفات الثلاثة متحققة في شأنه تعالى كان اللّه تعالى كافيا في دفع المصائب وجلب المنافع فينبغي للعبد أن يتوجه إليه بشراشره معرضا عما سواه وقال عليه السّلام « وإذا استعنت فاستعن باللّه وإذا سألت » أي وإذا أردت السؤال « فاسأل اللّه تعالى » ولا يقال إن في الإتيان بصورة التعداد وترك العطف دلالة على هذا التنزيل إذ هذا التنزيل إنما يعتبر في العطف الذي يتحد المتعاطفان ذاتا ويختلفان تصحيحا للعطف . قوله : وتدرج في الاستعاذة المعتادة الخ الاستعاذة هي أن يقال أعوذ باللّه لكن عدل هنا من المعتادة إلى أن جيئت بأسماء ثلاثة الرب والملك والإله متضمنة لثلاث صفات متدرجة إلى الأعلى فالأعلى فإن وصف الملكية أعلى من وصف الربوبية لوجود الربوبية في غير الملك ممن دونه ووصف الألوهية أعلى من وصف الملكية لأن الملكية يوجد في الإله والمألوه والألوهية لا توجد إلا في ذات الواجب الوجود تعالى فالمقصود من الاتيان بهذه الأسماء الثلاثة المتدرجة في معانيها المفهومة منها تنزيل اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات والسر في هذا التنزيل الإشعار بعظم الآفة المستعاذ منها وجه إشعاره بذلك ايهام أن الآفة لعظمها وعسر الرفع منها من شأنها أن يستعاذ منها إلى أكثر من واحد .